علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

198

ثمرات الأوراق

وكتب أبو عبيدة إلى الإمام عمر رضي اللّه عنه يعلمه بالخبر ، على يد ميسرة بن مسروق ، فلمّا وصل الكتاب إلى عمر رضي اللّه عنه فرح ، وقرأه على المسلمين ، وقال : ما ترون رحمكم اللّه فيما كتب إلينا أمين الأمة ؟ فكان أوّل من تكلم عثمان بن عفّان رضي اللّه عنه ، فقال : يا أمير المؤمنين إنّ اللّه قد أذلّ الرّوم ، فإن أنت أقمت ، ولم تسر إليهم ، علموا أنّك بأمرهم مستخفّ ، فلا يلبثون إلّا يسيرا . فلمّا سمع عمر ذلك من عثمان جزاه خيرا ، وقال : هل عند أحد منكم رأي غير هذا ؟ فقال عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه : نعم عندي غير هذا الرّأي ، وأنا أبديه إليك رحمك اللّه ، فقال له عمر : وما هو يا أبا الحسن ؟ قال : إنّ القوم قد سألوك ، وفي سؤالهم ذلّ ، وهو على المسلمين فتح ، وقد أصابهم جهد عظيم ؛ البرد ، والقتال ، وطول المقام ، وإن سرت إليهم فتح اللّه على يديك هذه المدينة ، وكان لك في مسيرك الأجر العظيم ، ولست آمنا منهم أنّهم إذا أيسوا منك أن يأتيهم المدد من طاغيتهم ، فيحصل للمسلمين بذلك الضّرّ ، والصّواب أن تسير إليهم . ففرح عمر بمشورة عليّ ، وقال : لقد أحسن عثمان النّظر في المكيدة للعدوّ ، وعليّ أحسن النّظر للمسلمين ، جزاهما اللّه خيرا ، ولست آخذ إلّا بمشورة عليّ ؛ فما عرفناه إلّا محمود المشورة ، ميمون الطّلعة . ثمّ إنّ عمر أمر النّاس أن يأخذوا الأهبة للمسير معه ، واستخلف على المدينة عليّ بن أبي طالب ، وخرج من المدينة وهو على بعير له أحمر ، عليه غرارتان في إحداهما سويق ، وفي الأخرى تمر ، وبين يديه قربة ، وخلفه جفنة « 1 » للزّاد ، وسار إلى أن أقبل على بيت المقدس ، فالتقاه أبو عبيدة ، فلمّا رآه ، أناخ قلوصه « 2 » ، وأناخ عمر بعيره وترجّلا ، ومدّ أبو عبيدة يده وصافح عمر وتعانقا ، وسلّم كلّ منهما على صاحبه ، وأقبل المسلمون يسلّمون على عمر ثمّ ركبوا جميعا إلى أن نزلوا ، فصلّى عمر بالمسلمين صلاة الفجر ، ثم خطبهم ، فلمّا فرغ من خطبته جلس وأبو عبيدة يحدّثه بما لقي من الرّوم إلى أن حضرت صلاة الظّهر . وأذّن بلال في ذلك اليوم ، فلمّا قال : اللّه أكبر ، خشعت جوارحهم ، واقشعرّت أبدانهم ، فلمّا قال : أشهد أن لا إله إلّا اللّه ، وأشهد أنّ محمدا رسول اللّه ، بكى النّاس بكاء شديدا عند ذكر اللّه وذكر رسوله ، وكاد بلال أن يقطع الأذان . فلمّ فرغ الأذان صلّى عمر وجلس ، ثم أمرهم بالرّكوب فلمّا همّ بالركوب على بعيره ، وعليه مرقعة الصوف وفيها أربع عشرة رقعة بعضها من أدم ،

--> ( 1 ) الجفنة : القصعة . ( 2 ) القلوص من الإبل : الشابة من إناثها .